الشيخ محمد النهاوندي

545

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ عمّم سبحانه النهي عن تنقيص الحقوق سواء أكانت مكيلة أو موزونة ، أو معدودة أو غيرها بقوله : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ولا تنقصوا أموالهم وحقوقهم ، [ سواء ] أكان الحقّ عينا كنقص العدد والزرع ، أو كيفية كدفع الرديء مكان الجيّد ، أو سلطنة كمنع المالك عن التصرّف في ملكه بالغصب والسرقة ، أو ذي الحقّ عن استيفاء حقّه ، كمنع الزوجة زوجها عن التمتع بها ، وامتناع الزوج من أداء حقوق زوجته وَلا تَعْثَوْا ولا تعتدوا فِي الْأَرْضِ حال كونكم مُفْسِدِينَ كالقتل والغارة ، وقطع الطريق ، وإهلاك الزرع ، وإشاعة الكفر والعصيان . قيل : كان قومه يفعلون جميع ذلك « 1 » . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 184 إلى 186 ] وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ( 184 ) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 185 ) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ( 186 ) ثمّ حثّهم على إطاعة تلك الأحكام بقوله : وَاتَّقُوا اللّه العظيم القادر الَّذِي خَلَقَكُمْ بقدرته وَ خلق الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ والخلائق السابقين فرهّبهم عن العصيان بكمال قدرته ، ورغّبهم في الطاعة ببيان أعظم نعمه من خلقهم وخلق أسلافهم الذين لولاهم لما خلقوا . ثمّ أنهم بعد استماع البيانات التي لا تصدر إلّا من أعقل الناس ، نسبوه إلى الجنون و قالُوا : يا شعيب إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ والمجانين الذين سحرهم الساحرون مرة بعد أخرى حتى زال عقلهم ولذا تقول ما تقول . ثمّ نفوا عنه قابلية الرسالة « 2 » بقولهم : وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وليس لك فضل علينا ، والرسول لا بدّ أن يكون ملكا منزّها من شؤون البشرية ثمّ صرّحوا بتكذيبه الذي هو نتيجة المقدّمتين بقولهم : وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ في دعواك الرسالة . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 187 إلى 191 ] فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 187 ) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ( 188 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 189 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 190 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 191 ) ثمّ لمّا كان شعيب عليه السّلام يهددهم بالعذاب على تكذيبه وعدم الايمان به ، رتّبوا على تكذيبه طلب نزول العذاب عليهم استهزاء بقولهم : فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً وقطعة مِنَ السَّماءِ والسّحاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك ووعيدك بالعذاب .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 24 : 163 . ( 2 ) . يريد استحقاقه لها .